نخبة أكاديمية بجامعة ذمار تستعيد صوت البردوني في ندوة «قصيدة تتقدم الزمن»
□ إعلام جامعة ذمار /جمال البحري/ 2 ربيع الآخر 1448هـ، الموافق 13 سبتمبر 2026م
■ من قاعة الشهيد الغماري في رحاب جامعة ذمار، وفي المحافظة التي أنجبت البردوني، واستمد اسمه من إحدى قراها، فغدا ذلك الاسم علامةً فارقة في خارطة الشعر العربي، استعادت جامعة ذمار اليوم صوت الشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني، في ندوة ثقافية حملت عنوان «البردوني.. قصيدة تتقدم الزمن»، برعاية الأستاذ الدكتور محمد محمد حسن الحيفي، رئيس الجامعة، وبمشاركة عدد من أعضاء هيئة التدريس والمهتمين بالأدب والفكر، وذلك في الذكرى السابعة والعشرين لرحيل الشاعر.
واستهلت الندوة، التي أقيمت في قاعة الشهيد الغماري بالمكتبة المركزية، بآيات من القرآن الكريم، أعقبتها قراءة الفاتحة على أرواح شهداء الوطن، ثم الوقوف للنشيد الوطني، في مشهد استحضر مكانة البردوني بوصفه شاعرًا ارتبط شعره بالإنسان والوطن وأسئلة الحرية والكرامة والسيادة.
وفي كلمته الترحيبية، استعاد رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور محمد محمد حسن الحيفي محطات من سيرة البردوني، مشيرًا إلى مكانته الأدبية والفكرية وما مثله شعره من حضور استثنائي في الذاكرة اليمنية والعربية، مؤكدًا أهمية استحضار تجربته للأجيال الجديدة، لا بوصفها أثرًا أدبيًا من الماضي، وإنما باعتبارها تجربة إبداعية وفكرية لا تزال قادرة على مساءلة الحاضر واستشراف أسئلته.
وأدار الندوة مساعد رئيس الجامعة لشؤون المراكز، الأستاذ الدكتور عصام واصل، متابعًا محاورها التي توزعت بين قراءة تجربة البردوني الشعرية، واستجلاء أبعادها الفكرية والوطنية، والوقوف عند بعض نصوصه التي اتسعت لتلامس قضايا الإنسان والوطن والأمة.
وتناول الدكتور عبده غيلان، في ورقته «عبد الله البردوني: دراسة لقصيدة أبو تمام وعروبة اليوم»، جوانب من سيرة الشاعر وتكوينه العلمي والأدبي، مستعرضًا نشأته في قرية البردون بمديرية الحداء بمحافظة ذمار عام 1929م، ورحلته العلمية من ذمار إلى صنعاء، وتكوينه في العلوم الشرعية واللغوية، واتصاله المبكر بالشعر العربي، وصولًا إلى تخرجه في دار العلوم عام 1953م، وعمله في تدريس الأدب العربي وإسهامه في الحياة الثقافية والإذاعية اليمنية.
وفي سياق الندوة، ألقى الدكتور عبد الله عصبة قصيدة شعرية بعنوان «إلى البردوني في ذاكرته»، استحضر فيها صورة الشاعر الذي جعل من الحرف نافذة على الوطن، ومن البصيرة سبيلًا إلى تجاوز العتمة، مستعيدًا حضوره في الذاكرة اليمنية بوصفه شاعرًا ظلّ عصيًا على الغياب، وظل شعره متصلًا بأسئلة اليمن والتاريخ والزمن.
كما قدم الأستاذ حسن الموشكي ورقة تناول فيها جوانب من حياة البردوني ومنجزه الأدبي، وما خلفه من دواوين وقصائد منشورة وغير منشورة، إلى جانب مواقفه من القضايا الوطنية والقومية والعربية، ولا سيما القضية الفلسطينية، وموقفه النقدي من التبعية والهيمنة الخارجية، وتوقف عند عدد من قصائد البردوني التي حملت رؤى استشرافية للواقع اليمني والعربي، موضحًا أن بعض نصوصه تبدو، في قراءتها اليوم، شديدة الالتصاق بأسئلة الحاضر وتحولاته، بما يرسخ مقولة الندوة في أن قصيدة البردوني تتقدم الزمن، وتبقي الشاعر حاضرًا في المشهد كلما عاد الواقع إلى الأسئلة التي طالما أثارتها تجربته.
وفي ورقة بعنوان «عبد الله البردوني وأنصار الله: تقاطع الرؤية حول الاستعمار والهيمنة والسيادة اليمنية»، تناول الأستاذ المشارك الدكتور عزيز علي الأقرع حضور قضايا الاستعمار والهيمنة والتبعية والسيادة في شعر البردوني، مشيرًا إلى أن رؤيته للاستعمار تجاوزت مفهوم الاحتلال العسكري المباشر إلى ما يرتبط بالقرار السياسي والوعي والثقافة والارتباط بالمصالح الخارجية، مستشهدًا بعدد من قصائده، ومنها «الغزو من الداخل» و«أبو تمام وعروبة اليوم»، ومقارنًا بين بعض تلك الرؤى والخطاب السياسي المعاصر حول استقلال القرار اليمني ومقاومة التدخل الخارجي ومناصرة القضية الفلسطينية.
وأثرت الندوة جملة من المداخلات والنقاشات التي أسهمت في توسيع زوايا قراءة تجربة البردوني، من بينها مداخلتا نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي الأستاذ الدكتور عبد الكريم زبيبة، ونائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية الأستاذ الدكتور عادل عبد الغني العنسي، حيث تناولتا جوانب فكرية وأدبية متصلة بمحاور الندوة ومكانة البردوني في الثقافة اليمنية.
واختتمت الفعالية بقصيدة للشاعر عبد الملك الشكر، أحد طلبة جامعة ذمار والفائزين في المسابقات الشعرية على مستوى الجامعة والجامعات اليمنية، عبّر فيها عن مكانة البردوني الأدبية والتاريخية، واستحضر في أبياتها فيض تجربته الشعرية وحضوره رمزًا من رموز الوعي والتحرر والرفض للوصاية.
وشهدت الندوة حضور أمين عام الجامعة، وعدد من نواب رئيس الجامعة وعمداء الكليات ورؤساء الدوائر ومديري العموم، وأعضاء هيئة التدريس والكوادر الإدارية، إلى جانب عدد من المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي، في فعالية ثقافية نابضه بالحياة أعادت البردوني إلى فضائه الكبير حيث الشعر ذاكرةٌ للوطن، وحيث القصيدة قادرة على أن تعبر الزمن دون أن تفقد وهجها.